السرخسي

177

المبسوط

تمام الرضا كالبيع والشراء لا يلزم منه وما لا يعتمد تمام الرضا كالنكاح والطلاق والعتاق يلزم منه وحجته في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه فهذا يقتضى أن عين ما أكره عليه فحكمه واثمه يكون مرفوعا عنه والمعنى فيه أن هذه فرقة يعتمد سببها القول فلا تصح من المكره كالردة وتأثيره أن القول إنما يعتبر شرعا إذا صدر عن قصد صحيح وبسبب الاكراه ينعدم ذلك القصد لان المكره يقصد دفع الشر عن نفسه لا عين ما تكلم به وهو مضطر إلى هذا القصد والاختيار أيضا فيفسد قصده شرعا ألا تري أنه لو أكره على الاقرار بالطلاق كان اقراره لغوا لهذا يقرره ان تأثير الاكراه المبيح للاقدام في جعل المكره آلة للمكره واعدام الفعل من المكره كما في الاكراه على اتلاف المال فيجعل المكره آلة ويصير كأن المكره هو الذي تكلم بالايقاع فيكون لغوا ألا تري أن حق ابقاء قدر الملك على المكره جعل كالآلة حتى يكون المكره ضامنا قيمة عبده عندكم إذا أكرهه على أن يعتقه ويكون ضامنا نصف الصداق إذا أكرهه على الطلاق قبل الدخول فكذلك في ابقاء عين الملك عليه يجعل آلة له وحجتنا في ذلك ما روى أن امرأة كانت تبغض زوجها فوجدته نائما فأخذت شفرة وجلست على صدره ثم حركته فقالت لتطلقني ثلاثا أو لأذبحنك فناشدها الله تعالى فأبت فطلقها ثلاثا ثم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن ذلك فقال صلى الله عليه وسلم لا قيلولة في الطلاق واستكثر محمد من الاستدلال بالآثار في أول كتاب الاكراه حتى روى عن عمر رضي الله عنه قال أربع مبهمات مقفلات ليس فيهن رديد النكاح والطلاق والعتاق والصدقة والمعنى فيه أنه مكلف أوقع الطلاق في محله فيقع كالطائع وتفسير الوصف ان الاكراه لا يزيل الخطاب اما في غير ما أكره عليه فلا اشكال وفيما أكره عليه كذلك حتى تنوع عليه أفعاله فتارة يباح له الاقدام وتارة يفترض عليه كشرب الخمر وتارة يحرم عليه كالقتل والزنا وذلك لا يكون الا باعتبار الخطاب وتأثيره ان انعقاد التصرف بوجود ركنه ومحله ولا ينعدم بسبب الاكراه ذلك أنما ينعدم الرضا به والرضا ليس بشرط لوقوع الطلاق ألا ترى ان الرضا باشتراط الخيار ينعدم ولا يمنع لزوم الطلاق فكذلك الاكراه وبسبب الاكراه لا ينعدم القصد الصحيح فان المكره يقصد ما باشره ولكن لغيره وهو دفع الشر عن نفسه لا لعينه فهو كالهازل يكون قاصدا التكلم بالطلاق ولكن للعبث لا لعينه